أطفال عُمان وثقافة الطاعة السياسية
بنك مسقط وعمانتل تطرحان الأطفال في مزاد الأربعين
1
في عام من الأعوام اتصل بي صديق يسألني إن كنتُ قد اطلعت على جريدة عمان اليوم، فأجبته بالنفي.
قال هناك خبر عن احتفال نزلاء مستشفى "ابن سينا" بالعيد الوطني ويشيدون بإنجازات النهضة أو يعبرون عن فرحتهم أو أية عبارة شبيهة معتادة.
حسبتُ الكلام من الظرف المعتاد لصديقي، وبعد أن تحققت تسائلت عن وجود بعض الرجال والنساء في هذه البلاد في غير مواقعهم الصحيحة، وأن بعض مَنْ خارج المستشفى يجب أن يكون داخله، لا أن يكون طليقاً يتولى الشؤون العامة.
لم يستطع أولئك أن يحذفوا مستشفى الأمراض النفسية والعصبية من خارطة الاحتفالات، فمن الواضح أن "النهضة المباركة" كانت تحتاج لمباركة وشهادة نزلاء مستشفى "ابن سينا" الواقعة في مدينة النهضة أيضاً، حتى يكتمل عقد الإجماع الوطني بالعقلاء و"المجانين" معاً، وليثبت المسؤولون عن الطاعة السياسية أنها مفروضة ومستتبة في كل مكان وفي كل الأذهان حتى أذهان المرضى الذي لا يعي بعضهم أين هم أو مَن هم.
في هذا العام وبمناسبة أربعين عاماً على نفس "النهضة المباركة" لم يتغير شيء في أذهان المسؤولين عن الطاعة السياسية وتفتقوا عن ما هو أقل ظُرْفاً وأكثر مأساوية،
فبدعم من مجلس الوزراء "للمبادرة الوطنية المهمة" طرح بنك مسقط وعمانتل أطفال عمان وأطفال المقيمين في مزاد الاحتفالات بالعيد الأربعين للنهضة، وأعلنوا عن منح " أطفال السلطنة في جميع مناطق وولايات السلطنة فرصة التعبير عن حب قائد الوطن والمنجزات التي تحققت في العهد الزاهر لمولانا جلالة السلطان المعظم .. وفرصة حقيقية للأهالي لتحفيز أبنائهم على المشاركة في هذه التظاهرة الفنية الوطنية "، وذلك من خلال "المسابقة الوطنية للرسم" للأطفال من سن 6 إلى 12 سنة على أن تكون " الأفكار مستوحاة من ملامح النهضة المباركة مثل فكرة رسم برج الصحوة أحد أقدم صروح النهضة... وهكذا، وسوف يتم اختيار أفضل الأفكار".
وانطلقت المبادرة والحملة الإعلامية. وانطلق المسؤولون أمام عدسات الصحافة يقصون أشرطة افتتاح المعارض التي حوت رسومات الأطفال التي عبرت عن "اعتزاز الاطفال وحبهم الكبير بالقائد المفدى وبكل الانجازات التي تحققت طوال مسيرة النهضة العمانية" . و" نشعر بالسعادة و نحن نشاهد الرسومات التي عبر فيها اطفال عمان عن حبهم و ولائهم لعمان و لقائدها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه".
وأخيراً وصلت اللوحات إلى أربعين ألف لوحة-كما قالوا- وبدأ التصويت على اختيار أفضل 100 لوحة سيصوت على أفضل أربعين لوحة منها ليتم إعلان الفائزين وتوزيع الجوائز التي أعلن أنها ستكون مالية لكني لم أطلع على قيمتها (هل أعلنت؟).
ومع نهاية كل حدث وطني مهم وكبير كما هي بدايته لا بد من التصريحات التي لا تنقطع ليل نهار، لكن هذه المرة هناك تصريحات على لسان أطفال عمان، وقد اخترت لكم "تصريحهم" في جريدة الزمن، وأرجو أن لا تتجاوزوه وأن تقرأووه بلا ملل وأن تتغاضوا عن الركاكة والأخطاء اللغوية والإملائية، حتى تعوا أنفسكم وما فعلتم بأطفالكم:
(وكان اطفال عمان قد عبروا عن اعتزازهم بالانجازات التنموية التي شهدتها البلاد طوال مسيرة النهضة المباركة تحت قيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظة اللة ورعاه – والتي شملت كافة المجالات معربين ايظا عن سعادتهم وفرحتم الغامرة باطلاق مبادرة وطنية تتمثل في تنظيم مسابقة للاطفال تمكنهم من التعبير عن حبهم لقائدهم المفدى وتسليط الضوء على كافة الانجازات والمشاريع التي تحققت طوال السنوات الاربعيين الماضية من عمر النهضة العمانية مقدمين الشكر والتقدير لبنك مسقط ولعمانتل على اطلاق مبادرة " معا نحتفل " والتي تأتي تزامنا مع احتفالات السلطنة بمرور اربعين عاما من التقدم والتطور وتحقيق الانجازات المختلفة التي تؤكد نجاح السياسة الحكيمة لباني نهضة عمان الحديثة وسعداء بالمشاركة في هذة المسابقة الاولى من نوعها والتي تعطي الفرصة لاطفال عمان ليقولون كلمتهم وليعبروا عن مافي قلوبهم ونفوسهم من سعادة واعتزاز بكل ماتحقق على ارض عمان مطالبين الجميع بالمشاركة والتفاعل مع هذة المبادرة الوطنية التي ترصد مشاعر الحب لهذا البلد الجميل والولاء والعرفان للاب القائد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم.).
2
ليس مهماً، في عُمان، أن تكون نزيل مستشفى للأمراض النفسية والعصبية، أو طفلاً غير راشد، لكي تقدم فروض الطاعة والولاء للحاكم، وأن تؤكد على نجاح سياسته الحكيمة وعظمة إنجازاته.
المهم هو النجاح في تشغيل الآلة الدعائية إلى أقصى طاقة إنتاجية لإغراق السوق المحلية والخارجية بمظاهر الاحتفالات "الوطنية"، حتى لو كان الوقود المستخدم باعث على التناقض والاختلال المؤديان إلى التفكه والاستنكار.
أن تقيم مسابقة وطنية لرسومات الأطفال هو شيء محمود، لكن أن توظفها بشروط الدعاية السياسية الفجة فهو شيء مرذول. الرسم أحد أهم أشكال التعبير الحر وحاجة فطرية ونفسية وإبداعية عند الأطفال، فلماذا لم تكن مسابقة مفتوحة-وباسم المناسبة- ليعبر الأطفال من دون وصاية وتحديد وقسر؟
ولماذا يتم التطاول على الأطفال وانتهاك براءتهم باستخدامهم بضاعة في المزايدة على الوطنية، وتقديمهم على مذبح الولاء للحاكم، ثم الكذب على ألسنتهم وتزييف وعيهم الجماعي، كل ذلك لهدف مرسوم بخبث استحال كاريكاتورية يحسبونها وطنية ونجاحاً؛ لم يدر ببال أحدهم أنهم –الأطفال- ناقصوا الأهلية القانونية بما لا يستقيم اعتبار أصواتهم في التصويت على الحاكم وسياساته.
لكن متى كان للعماني اختياراً واستقلالية حتى تكون لأطفاله، ومتى كان العماني غير قطيع يساق فيمضي من دون أدنى حمحمة؟ ومتى كان أولئك غير جهلة مدنية وتحضر ودعاة خضوع استبدادي لا يفرق بين طفل وراشد؟
تم ذلك بثمن بخس عبارة عن أدوات رسم وهي تمثل إغراء لأي طفل، وبالإعلان عن جوائز مالية-يذهب الظن أنها ستكون ضخمة بضخامة المناسبة- وهذا إغراء للأهالي. إضافة إلى العزف على الوتر "الوطني القابوسي" وفي هذا استجابة ضرورية لم يخطئها المسؤولون عن الطاعة السياسية في مجتمع الطاعة.
الرسم فعل حرية تعبير، وإجبار أطفال من سن السادسة على رسم موضوع بعينه لغرض سياسي هو عمل استغلالي منتهك لحرية وحقوق الطفل، يتقاسم مسؤوليته الأهالي، الذين ساقوا أطفالهم إلى الفعل، مع الحكومة.
سيقال بأن المسابقة اختيارية وليست إجبارية، وأقول إن الإجبار قد وقع من بداية تبني الحكومة للفكرة المختلة وتجييش أجهزتها لإنجاحها ودعوة المواطنين لتلبيتها والتفاعل معها، وحاصل جمع استغلال الأطفال القصر في الدعاية السياسية، مع تضليل الطفل والمجتمع -في تسويقها كفكرة صائبة ونزيهة- يساوي الإجبار.
هل هناك فرق بين استغلال آلاف الأطفال القصر في الدعاية السياسية وبين استغلالهم في المواد الإعلانية والدعائية المحظورة قانوناً كالخمور والمخدرات وتجارة الجنس؟


4 التعليقات:
الفساد هو الفساد..
وصلني إيميل طويل من أحد المواطنين المطلعين على هذه المسابقة يقول فيه بعد ذكره لتجاوزات كثيرة حدثت في تنظيم ورعاية والإنفاق على المسابقة، ما خلاصته أن هناك تشاورات وحالات غريبة لمحاولة اختيار فائزين بعينهم وذلك لا شك للاستفادة من الجوائز..
وأياً كان مسار الكلام ومصداقيته فإني أنتظر نتيجة المسابقة واللوحات الفائزة المعبرة عن استحقاق الفوز، والأهم لجنة التحكيم الفنية التي من المفترض أنها تتحمل المسؤولية الفنية والأخلاقية في المسابقة، والتي يجب الإعلان عن أسماء أعضائها بداهة.
لا شيء بعيد أو مستبعد وسنرى.. كيف يتداخل الفساد من فساد الفكرة إلى فساد الإدارة والتحكيم.
هي حقيقة لا مناص منها ...
سواءاً كانت سياسة تنزل من الأعلى إلى الأسفل
أم من الأسفل إلى الأعلى...
أعتقد بأن الحكومة القابوسية في بداية عهدها عمدت على رسخ هذه الفكرة في الجيل السابق..
مما أدى إلا إصابته بداء الإحتفالات والوطنيات وبرج الصحوة الشامخ شموخ برج إيفل...
ومايحدث الآن ليس فقط محاولات حكومية وإنما هي شعور الجيل القديم بالتبعية القابوسية أو الإحتفالية...
فنلاحظ بعض الأحيان حين نتناقش في فعالية ما هذه السنة ... وأثناء طاولة النقاش سيقترح البعض أن نفعل شيئاً ذا صلة بالعيد الوطني أو للدولة أو الإحتفالية... حتى لو كان الغرض فنياً...
وكأنما نفعل هذا الشيء من تلقاء نفسنا بدون أن يطلب منا أحد هذا ... أصبحنا مبرمجين بأن الحكومة ستبارك فكرتنا إن كانت ذات صلة بالإحتفالات...
بعض الأحيان (وفي المحيط الذي أعيشه أنا..) نكسر القاعدة ونفعل شيئاً فنياً حراً لايمت للإحتفالات بصلة ... وفي وقت قد يكون في ذروة الإحتفالات ...ولا يلومنا أحد ولا يوبخنا أحد...
فالحقيقة هي ... نحن أحرار بما نفعله ... ولكننا قيدنا أنفسنا نحن بهذه الإحتفالايات والوطنيات أكثر من اللزوم ...
لا أقول بأن السياسة لم تلعب دور ... ولكن أعتقد دور الإعلام كان هو الأقوى وكان دوره "تملقياً" من وجهة نظري ...وعمل غسيل دماغ للشعب بسبب سذاجته ...
وعلينا أن نخرج من قوقعة الإحتفاليات الزائفة والتملقية
هههههههههههههههه
هههههههههاي
هههههههههههههه
موتوا بغيضكم يا عمانيين
بنجيب بدل عنكم اخواننا كومار وديليب وراجيف ونسكنهم في مشروع الموج والمدينة الزرقاء ،
نحن نملك الملايين والاراضي والشركات
وانتم حدكم الموت في المقابر
لا لا لا حتى المقابر بنشلها عنكم
هههههههههههه ههههاي
لو انك اخترت وضع كلمة ليبيا بدلا عن كلمة عمان في كل ما تدون لما خرج المعنى عن السياق ، الوقائع عينها وان اختلفت المسميات ، برج النهضة لديكم وبرج الفاتح بطرابلس لدينا ، التعريج على الاحتفالات بالنصر المبين والنهضة التي تحققت حتى بين زرائب القش والصفيح والتسبيح لعبادة الواحد الاحد الفرد الصمد حامي الديار . لكم كابوسكم ولنا كابوسنا .. كل عام وانتم بخير .. الف تحية لك اخ العرب
إرسال تعليق